أبي بكر الكاشاني

201

بدائع الصنائع

ذكرنا حال ما قبل الاخذ وأما حال ما بعده فلما بعد الاخذ حالان في حال هي أمانة وفى جال هي مضمونة أما حالة الأمانة فهي أما يأخذها لصاحبها لأنه أخذها على سبيل الأمانة فكانت يده يد أمانة كيد المودع وأما حالة الضمان فهي أن يأخذها لنفسه لان المأخوذ لنفسه مغصوب وهذا لا خلاف فيه وإنما الخلاف في شئ آخر وهو أن جهة الأمانة إنما تعرف من جهة الضمان اما بالتصديق أو بالاشهاد عند أبي حنيفة وعند هما بالتصديق أو باليمين حتى لو هلكت فجاء صاحبها وصدقه في الاخذ له يجب عليه الضمان بالاجماع وان لم يشهد لان جهة الأمانة قد ثبتت بتصديقه وان كذبه في ذلك فكذا عند أبي يوسف ومحمد أشهد أولم يشهد ويكون القول قول الملتقط مع يمينه وأما عند أبي حنيفة فان أشهد فلا ضمان عليه لأنه بالاشهاد ظهر أن الاخذ كان لصاحبه فظهر أن يده يد أمانة وان لم يشهد يجب عليه الضمان ولو أقر الملتقط أنه أخذها لنفسه يجب عليه الضمان لأنه أقر بالغصب والمغصوب مضمون على الغاصب وجه قولهما أن الظاهر أنه أخذه لا لنفسه لان الشرع إنما مكنه من الاخذ بهذه الجهة فكان اقدامه على الاخذ دليلا على أنه أخذ بالوجه المشروع فكان الظاهر شاهدا له فكان القول قوله ولكن مع الحلف أن القول قول الأمين مع اليمين ولأبي حنيفة رحمه الله وجهان أحدهما أن أخد مال الغير بغير اذنه سبب لوجوب الصمان في الأصل الا أنه إذا كان الاخذ على سبيل الأمانة بان أخذه لصاحبه فيخرج من أن يكون سببا وذلك إنما يعرف بالاشهاد فإذا لم يشهد لم يعرف كون الاخذ لصاحبه فبقي الاخذ سببا في حق وجوب الضمان على الأصل والثاني أن الأصل ان عمل كل انسان له لا لغيره بقوله سبحانه وتعالى وأن ليس للانسان الا ما سعى وقوله تعالى لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت فكان أخذه اللقطة في الأصل لنفسه لا لصاحبها وأخذ مال الغير بغير اذنه لنفسه سبب لوجوب الضمان لأنه غصب وإنما يعرف الاخذ لصاحبها بالاشهاد فإذا لم يوجد تعين أن الاخذ لنفسه عليه الضمان ولو أخذ اللقطة ثم ردها إلى مكانها الذي أخذها منه لا ضمان عليه في ظاهر الرواية وكذا نص عليه محمد في الموطأ وبعض مشايخنا رحمهم الله قالوا هذا الجواب فيما إذا رفعها ولم يبرح عن ذلك المكان حتى وضعها في موضعها فاما إذا ذهب بها عن ذلك المكان ثم ردها إلى مكانها يضمن وجواب ظاهر الرواية مطلق عن هذا التفصيل مستغن عن هذا التأويل وقال الشافعي رحمه الله يضمن ذهب عن ذلك المكان أولم يذهب وجه قوله أنه لما أخذها من مكانها فقد التزم حفظها بمنزلة قبول الوديعة فإذا ردها إلى مكانها فقد ضيعها بتر ك الحفظ الملتزم فأشبه الوديعة إذا ألقاها المودع على قارعة الطريق حتى ضاعت ( ولنا ) أنه أخذها محتسبا متبرعا ليحفظها على صاحبها فإذا ردها إلى مكانها فقد فسخ التبرع من الأصل فصار كأنه لم يأخذها أصلا وبه تبين أنه لم يلزم الحفظ وإنما تبرع به وقد رده بالرد إلى مكانها فارتد وجعل كان لم يكن هذا إذا كان أخذها لصاحبها ثم ردها إلى مكانها فضاعت وصدقه صاحبها فيه أو كذبه لكن الملتقط قد كان أشهد على ذلك فإن كان لم يشهد يجب عليه الضمان عند أبي حنيفة وعندهما لا يجب أشهد أولم يشهد ويكون القول قوله مع يمينه أنه أخذها لصاحبها على ما ذكرنا ثم تفسير الاشهاد على اللقطة أن يقول الملتقط بمسمع من الناس انى التقطت لقطة أو عندي لقطة فأي الناس أنشدها فدلوه على أو يقول عندي شئ فمن رأيتموه يسأل شيئا فدلوه على فإذا قال ذلك ثم جاء صاحبها فقال الملتقط قد هلكت كان القول قوله ولا ضمان عليه بالاجماع وإن كان عنده عشر لقطات لان اسم الشئ واللقطة منكرا إن كان يقع على شئ واحد ولقطة واحدة لغة لكن في مثل هذا الموضع يراد بها كل الجنس في العرف والعادة لافرد من الجنس إذ المقصود من التعريف ايصال الحق إلى المستحق ومطلق الكلام ينصرف إلى المتعارف والمعتاد فكان هذا اشهادا على الكل بدلالة العرف والعادة ولو أقر أنه كان أخذها لنفسه لا يبرأ عن الضمان الا بالرد على المالك لأنه ظهر انه أخذها غصبا فكان الواجب عليه الرد إلى المالك لقوله عليه الصلاة والسلام على اليد ما أخذت حتى ترده فإذا عجز عن رد العين يجب عليه بدلها كما في الغصب وكذلك إذا أخذ الضالة أرسلها إلى مكانها الذي أخذها منه فحكمها حكم اللقطة لان هذا أحد نوعي اللقطة وقد روينا في هذا الباب عن سيد نا عمر رضى